Tuesday, 11 December 2007

التعليم في بريطانيا: لا للواجبات، لا للامتحانات، لا للرسوب



بعد أن ذكرت مدى أهمية التعليم بالنسبة للبريطانيين في مقدمة الموضوع وبعد أن شرحت النظام التعليمي في بريطانيا، أحاول في الجزء الثالث لموضوع التعليم أن أذكر بعض خصائصه. وأود أن ألفت نظر العزيز القارئ أن التركيز في هذا الموضوع على التعليم في المرحلة الابتدائية لان لي خبرة ومعرفة أكبر من المرحلة المتوسطة والثانوية.

.
من نتائج تواجد حزب العمال في الحكومة هو تبني مفهوم العدالة عند رسم استراتيجية التعليم، فيعرف الجميع أن الأطفال يأتون من بيئات مختلفة ومن عوائل متفاوتة في مستواها التعليمي، ولهذا السبب تجد أن من يأتي من عائلة تعرف قيمة التعلم والعلم يتفوق في دراسته ويكون مستواه أفضل ممن يأتي من بيئة جاهلة. وهذا له أسباب كثيرة لا مجال لذكرها كلها هنا ولكن أحد هذه الأسباب هو المساعدة التي يحصل عليها الأطفال من الاباء المتعلمين عند القيام بواجباتهم المدرسية وعند التحضير للامتحانات. اعتبرت الحكومة أن هذا الأسلوب سيبقي الفارق بين المتعلمين وغير المتعلمين كما هو الى الأبد وسينقل التخلف من جيل الى جيل. لذلك تم اتباع اسلوب جديد في التعليم بحيث تتحمل المدرسة مسؤولية التعليم كاملة ولا يطلب من الأطفال في المرحلة الابتدائية وحتى السنة السادسة القيام بأي واجب ولا يطلب منهم تقديم أي امتحان. كان في السابق امتحانين في المرحلة الابتدائية في السنة الثانية والسنة السادسة حيث يتم تقديم هذان الامتحانان بشكل مفاجئ من دون اخبار الأهل بالموعد لتقليل الضغط النفسي على الأطفال. ومع كل هذا فقد تم الغاء هذه الامتحانات في سبيل رفع الضغط النفسي بشكل كامل. وبطبيعة الحال لا يوجد رسوب اذا كان لا يوجد امتحانات أصلا. وحتى ان كان مستوى الطفل متدني يتم نقله مع أقرانه الى الصف الثاني ولكن مع اعطائه دروس وجها لوجه مع معلمة متخصصة في تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة.

.
احترام حقوق الطفل يعتبر من المقدسات عندهم وهذا سبب اخر من الأسباب التي جعلت الحكومة أن تلغي الواجبات المدرسية، فمن حق الطفل اللعب واذا تم تكليفه بواجبات مدرسية قد لا يجد الطفل الوقت الكافي لممارسة هذا الحق. كل هذه الأمور خلقت جو ممتع في المدرسة لا يمله الأطفال، فلا أبالغ ان قلت أن الأطفال هنا يفضلون المدرسة أكثر من العطلة الصيفية مع أن مدتها لا تتجاوز الست أسابيع.

.
وهناك سبب اخر لالغاء الامتحانات، وهو ان التركيز قائم على تطوير المهارات عند الطلبة وليس تخزين المعلومات في أدمغتهم. وهذا لا يقتصر على المدارس الابتدائية فالاهتمام بتنمية المهارات واضح في كل المراحل وحتى في التعليم الجامعي، بالطبع لا تزال الامتحانات موجودة في الجامعة ولكن أقل بكثير من السابق والدرجة المخصصة للامتحان أقل من الدرجة المخصصة للبحث أو لأعمال الكورس في التوزيع الكلي للدرجات. المهارات التي يتم التركيز عليها في المرحلة الابتدائية هي القراءة والحساب، والطريقة المتبعة هنا لتطوير القدرة على القراءة هي التشجيع على كثرة القراءة، ويعتمدون كثيرا على قصص الأطفال المتوفرة في السوق، فلا يوجد عندهم كتاب مدرسي ولا يوجد عندهم
.

مع حمد قلم
.

أو زرع فلان بصل وثوم
.

ولا يوجد عندهم
.

أمي تأكل وأبي يشرب
.

انما يوجد مكتبة مليئة بالكتب تخصص لها ميزانية سنوية تتجاوز الألف جنيه استرليني، يذهب اليها الاطفال كل يوم ويختارون منها ما يشاؤون ويقرؤون ما يشاؤون. مقياس النجاح في عملية التعليم هو أن يحب التلميذ القراءة، فالذي ينجح بتشجيع الناس على القراءة فقد شارك بانجاح عملية التعليم، وهذا ما قاله رئيس الوزراء السابق توني بلير (أو أحد وزراءه لا أذكر) عن المؤلفة جي كي رولنج أنها استطاعت أن تفعل ما لم يستطع فعله أي وزير تعليم في التاريخ لأنها سحرت الأطفال بقصص هاري بوتر وجعلتهم يقرؤون.
.

تعتبر السنة الدراسية هنا طويلة جدا بالمقارنة مع الكويت وحتى مع أمريكا، ولكن خلال هذه السنة هناك الكثير من الأشياء التي تشغل الأطفال بطريقة ممتعة. وأهمها الرحلات المدرسية الى المتاحف والمسارح وغيره، وفي السنة الخامسة والسادسة من المرحلة الابتدائية يتم تنظيم رحلة داخل أو خارج بريطانيا مدتها اسبوع كامل يقضيها الطالب بعيدا عن أهله ولا يسمح له حتى الاتصال بهم هاتفيا، وليس الهدف اجراء عملية غسيل للمخ كما يفعل الاخوان في مخيماتهم الشتوية، انما لتكوين شخصية الطفل وتهيأته للانتقال الى المرحلة المتوسطة، وكذلك لعدم اثارة مشاعر الحنين والاشتياق عند سماع صوت الأهل. هذه الرحلة عادة تكون على حساب الأهل بالكامل اذا كانوا مقتدرين. قد تكون الرحلة مكلفة كما حصل في العام الماضي عندما قررت المدرسة تنظيم رحلة الى جبال الالب في ايطاليا فقد كلفت الرحلة 600 جنيه استرليني ولكن تم البدء بتجميع المبلغ بشكل أقساط شهرية من قبل موعد الرحلة بسنة كاملة للتخفيف على أولياء الأمور.
.

.

.
ومن الأمور الأخرى التي يقوم بها التلاميذ خلال السنة الدراسية هي اكتساب الخبرة العملية وهذا لتلاميذ المرحلة المتوسطة، فعلى كل طفل العمل في أي مكان لمدة اسبوعين الى 4 أسابيع، وغالبا ما يكون مكان العمل محل تجاري أو سوق مركزي. خلال هذه الفترة يكتسب الطالب مهارات الاتصال ويتعرف على بعض المهن وعلى طبيعتها بالاضافة الى اكتساب أول معاش في حياته مما يجعله يعرف قيمة العمل.

هذا باختصار ما أعرفه عن التعليم الحقيقي في بريطانيا وليس التلقين المتبع للاسف عندنا.

في الجزء الأخير سأناقش بعض السلبيات التي يعاني منها نظام التعليم في بريطانيا.
.
يتبع...

13 comments:

Q8 uniQue said...

متابع ومستمتع (متعة الإفادة من المعلومات) وفي انتظار طرحك للسلبيات.

يسعدني إضافتي عنوان مدونتك عندي

Maximelian said...

agraaa oo a9affeg ..wallahi agra wa a9affeg

:} waiting for part 4

Salah said...

Q8 Unique العزيز

هذا كرم منك ان تضيف عنوان مدونتي المتواضعة عندك

لك كل الشكر والتقدير


Maximelian العزيز جدا

مشكور على هالمجاملة اللطيفة

تحياتي

حمد said...

سلسلة جميلة

بانتظار البقية

مع التحية ..

فتى الجبل said...

والله ناس تفكر
ما شاء الله نفس اللي عندنا اهني

شـقـــــران said...

العزيز صلاح

تحية طيبة

للتو قرأت الموضوع وسف أعلق اليوم إن شاء الله

المحــــب/

شــقـــــران

Salah said...

حمد:

تسلم طال عمرك

------------

فتى الجبل:

بالضبط نفس اللي عندنا
بس اللي عندنا أحسن شوي

------------

شــقران:

حياك الله عزيزي في أي وقت
انت صاحب مكان


تحياتي

شـقـــــران said...

العزيز صـلاح
تحية طيبة لشخصك الكريم

في البدء اسمحلي على تاخري في التعليق على الموضوع ، وذلك لوقع اصداء الطلاب الذين هتكت اعراضهم وغضبي على تصريح الوزيرة الغير مسؤول والخالي من أي حس تربوي قبل أن يكون تعليمي

وانشغالي في الردود على هذا الموضوع فكأنما يخيّل اليك أن حرب البسوس قد عادت من جديد ، والسبب تشدد البعض لشخص الوزيرة علما بأننا ننتقد اداءها وليس شخصها ، ولكننا ابتلينا بالقبليّة والعنصريّة البغيضة

فبعض الأخوة المدونين سامحني وسامحهم الله ، نسوا الفعل من قبل الوزيرة وصاروا يحاسبون النواب والناس على رد افعالهم

وعودا على الموضوع الشيّق

للأمانة لم اكن اتوقع هذه السهولة والانسيابية في التعليم لدى البريطانيين ،فلقد كان في ظنّي غير ذلك تماما ،حتى انني كنت اظن أنهم يدرسون الفيزياء والكيمياء في الابتدائي

ولا اخفيك سرا أن والدي حفظه الله كان يحثنا منذ الصغر على القراءة رغم أنه أمّي ولم يتعلم إلآ متاخرا عبر مدارس الجيش..ولكنه كان يرغّبنا ولا يجبرنا..فيوم يدخل علينا بمجلة اطفال..ويوم آخر بمجلة علمية موجهه للاطفال..ويوم يدخل علينا بكتاب..وأحيانا يأخذنا لمعرض الكتاب..هذا بالاضافة لحثة الدائم أن نقرأ القرآن..وأحيانا يعمل مسابقة لمن يقرأ عليه الجريدة..فكنّا وأخوتي نتسابق على قرائتها له حتى تعلمنا مخارج الحروف قبل أقراننا

شكرا لك لتزويدنا بهذه المعلومات القيمة التي افهمتنا وعرّفتنا عن طرق التعليم الحديثة في بلدانا تقدّر ثروتها الوطنية حق تقدير

وبانتظار الجزء الأخير


أخوك المحـــــب/

شــقـــــران

الزرقاء و ندى الجنة said...

اخي صالح..
موضوع شيق و جدا مفيد و انتظر التكملة..
كلامك يذكرني بحديثي مع احد صديقاتي قالت ان القراءة المكثفة تذكرني باحدى صديقاتنا التي هي كما تقول
half q80 half British
لان الأجانب يقرأون !!

رديت عليها ان القراءة المكثفة تذكرني بنفسي عندما لم اكن اختلط مع العرب :)

اسمح لي ان انقل موضوعك عبر البريد للذين اعرفهم.. لان كثيرا ما نقارن مدارسنا بالمدارس الأجنبية و كيف انهم يركزون على الكيفية اكثر من الكمية

فممكن؟ ان شاء الله ان اذنت سوف اكتب المصدر
اشكرك على هذا الموضوع القيم

Salah said...

الأخت أو الأختين الزرقاء و ندى الجنة :

الهدف من كتابة الموضوع على النت هو أن يقرأه الناس

اذا قررتي أن تنشرينه عن طريق الايميل أو غيره، هذا أعتبره كرم منكِ ويوجب الشكر


يعطيج العافية

Salah said...

العزيز شقران:

تعجني غيرتك على الكويت وعلى عيال الكويت
قواك الله
والله يعينك على اللي يستعجلون بحكمهم عليك

ونرجع للموضوع

في المقاييس البريطانيا

والدكم حفظه الله قام بدور وزارة التربية بالفعل
ومن الواضح من كتاباتكم المفيدة انه نجح بهذا الدور
قد يكون الوالد حفظه الله أمي حسب وصفكم لكنه نجح بهذا الدور الذي فشل فيه الكثير من أصحاب الشهادات والذين يدعون انهم مثقفين

قبلة على جبين هذا الوالد الكبير
وتحياتي له ولك أيها العزيز

شكرا

Hasan said...

الموضوع شيق و مثري جدا
اذا كانت الأهداف واضحة فالسبيل لتحقيقه ليس بالأمر العسير, أنا أعتقد أن أهداف التعليم في الكويت ليست واضحة أو غير موجودة؟؟ واذا كانت موجودة فهي مجرد حبر على ورق

Salah said...

لله الحمد تم تجواز صدمة القواطي وتم نشر الجزء الأخير من موضوع التعليم في بريطانيا.

أعتذر على التأخير وأتمنى أن يجد القارئ فائدة من الموضوع

تحياتي للجميع